اخبار اليمن الان

قصة مأساوية لواحدة من مأسي الحرب.. تقرير: "سلمي" فتاة فقدت أباها… تسأل متى يتوقف القتال المدمر؟

اليمن الممزق وغير المستقر منذ عقود، البلد الذي كان بلدان ثم دخل في وحدة “تصف بالهشة”، لم يعرف البلدان قبل اتحاد مايو (أيار) 1990مـ سوى الحروب الأهلية الداخلية، وهو ما ساهم في ان يصبح من الدولة الفقير والاشد فقرا، على الرغم ما يمتلكه من ثرواته طبيعية.

من الحروب ضد الامامة في صنعاء، إلى الاقتتال على السلطة في عدن، مر السكان بمراحل معيشية صعبة فقد على أثرها الناس “الحياة الكريمة”، لكن الحرب الأخيرة التي افتعلها الانقلابيون الحوثيون الذين تدعمهم إيران، كانت الأشد فتكا بالسكان، فقد تشر المدنيون وقتل وجرح مئات الالاف من المدنيين، بل وكان الأطفال وقود الحرب.

في مدينة الحوطة مركز محافظة لحج، الواقعة إلى الشمال الغربي من عدن، التي تعدها حكومة عبدربه منصور هادي “المعترف بها دولياً” العاصمة البديلة لصنعاء، كان للحرب ضحايا كثر، لكن قصة سلمى مع الحرب هي الأشد حزنا من بين قصص أطلعنا على تفاصيلها، انها واحدة من القصص المحزنة، “فتاة فقدت اباها في الحرب، ولم تستطع نسيانه”.

في الـ21 من سبتمبر (أيلول)، سيطر المتمردون الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء، وحاول نظام عبدربه منصور هادي، تلافي الحرب الأهلية، بتوقيع اتفاقية سياسية اطلق عليها “اتفاقية السلم والشراكة”، غير ان هذه الاتفاقية كانت بمثابة “شرعنة للانقلاب على هادي، والاطاحة به من الحكم”.

ومع مطلع العام 2015م، دشن الحوثيون انقلابهم على سلطة هادي بمعركة شهدتها شوارع وازقة العاصمة، احتج الرئيس على القتال الأهلي وقدم استقالته، اذاع الحوثيون الإعلان الدستوري وحلوا البرلمان قبل قبول قرار استقالة هادي، الذي نجح بعد شهر من حصاره في منزله إلى عدن، واتخاذها عاصمة بديلة لصنعاء.

فرار هادي صوب عدن، شجع الحوثيون على التغول صوب الجنوب الذي حاول النأي بنفسه من الحرب، وفي أواخر مارس (آذار) 2015، كان الانقلابيون قد اقتربوا من السيطرة على قاعدة العند العسكرية، وفجرت قوات أمنية الحرب في عدن بعد ان اعلنت الولاء للحوثيين، كرر هادي الهروب مرة أخرى ولكن هذه المرة صوب سلطنة عمان.

كانت الحرب تقترب رويدا رويدا من مدينة الحوطة مركز محافظة لحج، حينها قررت سلمى ووالدها الهروب من الحرب صوب عدن التي يصلها الحوثيون بعدن، اخذوا الأشياء الخفيفة التي يسهل حلمها وتركوا منزلهم في حي سفيان هربا صوب العاصمة الأكثر أمانا كما اعتقدوا.

كان ذلك في مطلع “أبريل نيسان”، أي بعد سبعة أيام من إطلاق التحالف العربي بقيادة السعودية عمليات جوية لمنع الحوثيين من الوصول الى خليج عدن وباب المندب.

اعتقد أسرة سلمى ان الحرب ستتوقف على تخوم عدن، وان المقاومة الشعبية التي انطلقت لمقاومتهم سوف تنجح في منع اقترابهم على الأقل من الاحياء الأكثر ازدحاما بالسكان.

لكن الأسلحة التي امتلكها الانقلابيون – كانت بحوزة الجيش اليمني- قد رجحت كفتهم في الدخول الى احياء عدة في عدن، وقصفوا الاحياء التي لم يصلوها بالصواريخ المحمولة على الكفت.

لسوء الحظ ان سلمى ووالدها سكنوا في أحد تلك الاحياء التي احتلها الحوثيون، ومع الاشتباكات لمحاولة اخراجهم من الحي، كانت المسلحون الحوثيون يطلقون النار بشكل عشوائي على المساكن، فتح الحاج عبدالله والد “سلمى”، نافذة المنزل لمعرفة ما يدور في الخارج، الا ان رصاصة واحدة انطلقت من سلاح قناص اصابته بمقتل ليسقط مضرج بدمائه بين أحضان سلمى، التي ظلت تصرخ “اباها الذي مات بين احضانها”.

وبعد أربعة أشهر من القتال، نجح المقاومون في دفع الحوثيين بعيدا عن عدن، لكن “الألم والوجع الذي تسبب للسكان ولسلمى تحديدا لم يستطع أحد دفعه بعيدا”.

بعد سبع سنوات من رحيل والد سلمى، قررنا زيارتها بعد ان عادت مع اسرتها إلى مسكنها الأول في حي سفيان بمركز محافظة لحج، حزمنا امتعتنا وغادرنا في نهار الفاتح من يوليو (تموز) 2021م، لزيارة منزل سلمى.

على طول الطريق الواصل بين عدن ولحج سارت بنا المركبة ببطء شديد، تفاديا للازدحام والطريق غير السوية بفعل كثرة “المطبات والحفر”، وحركة ناقلات الشحن الكبيرة.

وصلنا إلى مدينة الحوطة، وهي مدينة عتيقة، لم ينالها أي عمران حديث، بالكثير من المساكن شيدت في عهد ما قبل الوحدة اليمنية، بما في ذلك المشفى الحكومي الوحيد “ابن خلدون”، في وسط المدينة، تنتصب صورتين، الأولى للسلطان العبدلي، والأخرى للفنان الراحل فيصل علوي.

من الحوطة اتجهنا شرقا صوب حي سفيان، وهو حي ريفي، المنازل معظمها “اشبه بالمساكن الشعبية”، اما السكان فالغالبية العظمى منهم فقراء أو ربما تحت خط الفقر، فالشباب عاطلون على العمل، حتى أولئك الذين يعملون ضمن الجيش والأجهزة الأمنية، لم يحصلوا على رواتبهم منذ عدة شهور، والبعض منهم ترك عمله وذهب للعمل على “دراجة نارية لإعالة اسرته”.

والدراجات النارية منع استخدامها في عدن، بفعل انها تستخدم من قبل جماعات مسلحة في عمليات إرهابية، الأمر الذي اضطر السلطات المحلية إلى اتخاذ قرار بمنع استخدامها، لكن في لحج باتت في ازدياد كبيرة، وهي وسيلة مواصلات سهلة وسريعة.

في وسط حي سفيان، طلبنا الاستعانة بشاب في منتصف العشرينات، ان يدلنا على منزل “سلمى”، سار قبلنا حتى أوصلنا الى المنزل، حيث كانت سلمنا في استقبالنا، شابة في الثلاثينات من عمرها، شكرت الشاب الذي ساعدنا وغادر.

ادخلتنا الى منزله، وهو عبارة عن منزل شعبي مبني من الطوب، وامامه بعض الأشجار التي زرعت بهدف التخفيف من الرطوبة، ادخلتنا الى غرفة تبدو مرتبة، واجلستنا، ثم اعتذرت لنا على مجيئنا وقت انقطاع التيار الكهربائي.

التيار الكهربائي ليس منتظما في الكثير من المدن بما فيها العاصمة عدن، في ظل صيف حار، ودرجة الحرارة في لحج هي ذاتها في عدن، وتصل الى الـ40 مئوية.

قدمت لنا سلمى القهوة وكررت الترحيب بنا، سلمى كانت فتاة طموحة، لكنها لم تختار “الصحافة مثلنا”، فإنا على الأقل اخترت الصحافة ربما كهواية وليست كوظيفة، اما اليوم فالأعمال تبدو نادرة، خاصة لدى أصحاب “مهنة المتاعب”.

لم تضع “سلمى” أي من مساحيق التجميل على وجهها، لكنها تبدو فتاة جميلة وشابة انيقة، لكنها تبدو “منكسرة من الداخل”، حين كانت تقدم لي القهوة، كانت الأسئلة تتزاحم في عقلي، من اين ابدأ مع سلمى، وهل أستطيع ان اقاوم شعور فتاة فقدت اباها.

ذات يوم قرأت على الانترنت، ان “الفتاة لا يمكن ان تعوض اباها إذا رحل”، في تلك الاثناء، حمد الله ان والدي لا يزال على قيد الحياة، ودعيت له بطول البقاء.

بعد دقائق من الصمت، قطعه بسؤالها عن حالها وماذا تعمل، اجابتني وقد انزلت رأسها “ماذا عساي ان اعمل، بعد ان خسرت والدي سندي في الحياة”.

هذا الحديث كان مشجعا لي على طرح المزيد، “علمت أنك لحظة مقتل والدك، كنتِ إلى جواره، هل لك ان تصفي لنا ما حصل”.

اجابت “كان يومها اشتباكات عنيفة في الحي الذي كنا هربنا إليه في عدن، ظن الوالد ان الاشتباكات بدأت تقترب أكثر، فتح النافذة وتمنيت ان لم يفعل، اخترقت رصاصة غادرة رأسه وخر مغشيا بيننا”، لم اشعر ولم اتخيل ان أبي يموت بتلك الصورة وفي احضاني، كانت صدم لم افق منها إلى اللحظة، أبي مات، رحل ولن يعود”.. وقبل ان تكمل حديثها دخلت في نوبة “بكاء شديدة”.

حاولت التخفيف عنها بمواساتي لها، وبعد دقائق من الصمت، عاودت الحيث “قتل والدي قبل ست سنوات، سنت سنوات ليست قليلة، لكن الألم على رحيله، لم يرحل، فكل الأشياء تذكرني بوالدي، لم يسأل علينا أحد من الحكومة، الكثير من فقدوا ذويهم لم تقدم لهم “الحكومة” أي شيء، وكأنهم لم يقتلوا في حرب مدمرة هم مسؤولون عن كل شيء.

واردفت “نحن لا نريد أي شيء ولن يستطيع أحد ان يعوضنا عن والدنا، الذي رحل في حرب عبثية، كان بالإمكان تجنبها او على الأقل تجنيب السكان منها، كان من المفترض ان يتقاتل المتخاصمون بعيدا عنها “نحن المدنيون”، الذين لا ذنب لنا ولسنا طرفا فيها، ولن نكون بكل الأحوال”.

ما هي مطالبكم كذوي شهداء فقدوا في الحرب؟ سألت سلمى، لتجيب “المسؤولون عن الحرب عليهم القيام بالواجب عليهم تجاه ضحايا الحرب، هناك جرحى لم يعالجوا إلى اليوم، وهناك من توفي بفعل عدم مقدرته على العلاج، اذا لم تقم الدولة والحكومة بواجبها تجاه هؤلاء علينا المطالبة بمحاكمة كل من تسبب لنا بكل هذا الألم والجراح، نطالب بمحاكمة عادلة، وقبل ذلك نطالب بوضع نهاية سريعة للحرب، فكل يوم تحصل جريمة قتل، تذكرني بطريقة قتل والدي، انه مشهد يتكرر كل يوم وكل ساعة، قتل في كل مكان، وكأن أرواح الناس غدت رخيصة، نحن نريد وضع نهاية للحرب، يجب ان يتوقف القتال، بأي شكل من الاشكال”.

وبعد ان انتهت مهمتنا في منزل سلمى، طلبنا منها ان تسمح لنا بالمغادرة، رافقتنا الى حوش المنزل وودعتنا على أمل ان نلتقي بها وقد “وضعت الحرب اوزارها”، فكرت ان اعانقها كثيراً، وفعلت، لقد أصبحنا صديقتين، سنكون على تواصل، وسنلتقي في مناسبات أخرى، غير هذه المهمة التي ذهبت فيها كصحافية تبحث عن قصص إنسانية لعرضها للناس لمعرفة ماذا فعلت الحرب بهم.

في طريق العودة، كررت كثيرا وكثيرا جداً، يجب ان تضع الحرب اوزارها فقد تعبنا كثيراً، هذه الحرب ارهقتنا على كافة الأصعدة، ربما في نهاية الحرب، قد تتحسن المعيشة، وقد يحصل الموظفون على رواتبهم، وقد يجدوا أصحاب “المهن”، اعمالا يقتاتون منها، وقبل ذلك قد يتحسن سعر “صرف العملة المحلية” التي تواصل الانهيار امام العملات الأجنبية.

تخيلت لو ان “الحرب ستضع أوزارها، فالشعب قد يلملم جراحه، ويعود للحياة بصورة أفضل من هذه الصور التي يعشيها مع الحرب والدمار، فالقتال وان يبدو بعيدا عن لحج وعدن ومدن الجنوب المحررة، فهي تحصد الكثير، فالجنود الذين يقاتلون في المناطق المشتعلة هم من هذه المناطق، والاحزان لا تزال تخيم بشكل شبه يومي، الكثير يفقدوا ذويهم الذين ذهب الكثير منهم للقتال بحثا عن “راتب يعيلوا به اسرهم التي تنتظر عودتهم، وفي بعض الحالات يعودوا كجثث هامدة.

اما الآن فقد حان ان اضع نهاية هذه القصة، وكلي أمل بالله ان يتم وضع نهاية لهذه الحرب المدمرة..

——————————————————

وفاء فضل سيود – صحافية في جريدة اليوم الثامن الصادرة في عدن.

يمكن قراءة الخبر من المصدر موقع اليوم الثامن من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى