اخبار اليمن الان

وباء كورونا.. يضع القطاع الصحي في عدن على نعشه الأخير

تقرير/ ريم الفضلي

يعيش القطاع الصحي، مثل كافة القطاعات في اليمن، حالة من الانهيار الكلي منذ سنوات. و مع اندلاع اولى شرارات الحرب الأخيرة التي تمتد لعامها السادس، لا زال القطاع الأهم في حياة الانسان اليمني يشهد إهمالا لا محدود رغم وفرة الإمدادت له.

و مع انتشار فيروس كورونا في اليمن تفاقمت مأساة المواطن،  خصوصاً وانه في مواجهة أمراض كثيرة، مثل “الكوليرا” و”الدفتيريا” و”الملاريا” و”حمّى الضنك”. وبرغم توفر الأدوية اللازمة لعلاجها، إلا أن الأدوية لم تصل إلى المناطق الموبوءة نتيجة الحرب والحصار المفروض على الأراضي اليمنية، لتصيب هذا الأمراض نحو مليون يمني وراح ضحيتها ما يقارب أربعة آلاف.

وفي عدن المحررة، و عاصمة اليمن المفترضة،  يعيش القطاع الصحي حالة تأزم حقيقي، يكاد العابر منها أن يشبه قطاعها هذا بقطاع احد القرى المنسية من خارطة البلاد المزعومة.

و ما ان دق فايروس كورونا ابواب هذه المدينة حتى عرا كافة اشكال الفساد و الإهمال المتعمد وغير المتعمد و وضع القطاع الصحي فيها على النعش الأخير له.

كورونا يفتك بما تبقى

في مطلع نيسان/ ابريل من العام المنصرم، أعلنت اللجنة الوطنية العليا لمكافحة وباء كورونا، عن اول إصابة مؤكدة في عدن. و سرعان ما سجّل الوباء انفجاراً سريعاً في كل المدن اليمنية، وكان للعاصمة المؤقتة النصيب الأكبر حيث وصلت حالات الوفاة إلى قرابة مئة حالة يومياً، منذ النصف الأول من شهر أيار/مايو الماضي.

 

بدأت حالة من الرعب تتوغل في أوساط المجتمع، فلم تجد اسرة في عدن حينها إلا وعانت، ليس فقط من تفشي المرض وعواقبه، بلا من الوضع المتدهور للقطاع الصحي الذي عاش الناس بسببه صدمات لم يتوقعوا الخوض فيه يوما.

تحكي لنا رانيا عبدلله معاناة أسرتها في بداية انتشار كورونا في عدن، قائلة:” أمي أصيبت بحمى الضنك وبدأنا العلاج بشكل طبيعي، العلاج الطبي طبعا من محاليل و عقاقير طبية.

ومع اهتمامنا المتواصل بالوالدة، من محاولتنا لرفع المناعة والصفائح، كنا نخضعها للفحص يوما بيوم لنتأكد من مستوى المناعة والصفائح لديها. فكانت الأمور في تحسن ملحوظ والصفائح والمناعة في ارتفاع وأمي في تحسن مستمر إلى أن اختفت أعراض الضنك تماما.”

و تكمل عبدلله قصتها: “كان هناك  شيء كنا نستغربه وهو تضايق أمي من القرب بشكل كبير لدرجة أنها كانت تطلب ننزعها فورا، وأمي امرأة واعية وصبورة فهذا التصرف غير منطقي. فعندما سالتها عن السبب كانت تجيبني بأنها تشعر بالضيق ما ان يدخل السائل إلى جسمي.

بعدها ظهرت لديها أعراض أخرى، مثل السعال المستمر مع عدم القدرة على الاستلقاء.”

تشخيصات بلا طائل

عانى المواطنين في عدن من عدم  ثبوت الفحوصات و ركاكة التشخيصات الطبية لمرضاهم ابان انتشار المرض، ومع انتشار الحميات بأنواعها و الالتهابات المزمنة في نفس الفترة، أصبح هناك خلط ملحوظ بصحة الأمراض التي يصاب بها الناس. 

و تتابع رانيا حديثها: “وصف لنا طبيب علاجا لكن دون فائدة. اضطررنا بعدها اخذها الى المستشفى. فما ان وصلنا إليه طلبوا منا اجراء أشعة سينية لها وقالوا ان الرئة تعاني من كميات كبيرة من السوائل، وبانها بحاجة عاجلة الى غرفة انعاش لامدادها بالاكسجين من ثم اجراء عملية مستعجلة للتخلص من هذه السوائل.” 

وتكمل رانيا قصة أمها الذي خذلها ركاكة قطاع المدينة الصحي، قائلة: “أطباء معارف نصحونا بعمل تخطيط قلب وفحص وظائف كلى، حتى تظهر المشكلة التي تسببت بتجمع السوائل مباشرة. وبعدها من الممكن ان نجد مكان لسحب السوائل أو حتى استخدم علاج عقاري.

وعبر صديقة لي، طبيبة باطنية، أخذت علاج حتى يخفف من حالتها وهو حقن مدرة للبول تساعد على تخفيف ضغط السوائل وفعلا كانت أمي بعد الإبرة تنام ساعتين لكن هذا يظل حل مؤقت.”

في مساء نفس اليوم، ذهبت رانيا وعائلتها الى أحد المستشفيات القابعة في ضواحي مديرية المنصورة، لعمل تخطيط قلب لوالدتهم التي بات جهد البحث عن علاج بادا على وجهها المريض. 

بعد إجراء الفحوصات، أثبتت نتائج التخطيط ان القلب سليم يعمل بشكل 80% وهذه نسبة غير منطقي لامرأة في الستين من عمرها وفي حالة إعياء شديدة.

لم تكن هذه النتيجة إلا دليلا آخر لتدهور حال القطاع الذي لم يستطع حتى القيام بعملية تخطيط قلب على أكمل وجه.

ليبرر بعدها طبيب الاشعة فشله الذريع دون أي سابق إنذار بأنه مشتبه أنها حالة كورونا.

وساطة العبور لإنقاذ الحياة

لم يقف الحال الذي عاشه الناس في عدن عند التشخيصات الخاطئة و عدم إيجاد السبيل الصحيح لانقاذ مرضاهم واقفال عدد كبير من المرافق الصحية في المدينة في وجوههم، إلا أنه تعدى حدود العقل و هبط بالأخلاق  الانسانية السامية التي تمثلها هذه المهنة العظيمة الى أسفل قعر من الانحطاط و التمييز.

 رانيا وعدد من أقرباء المرضى، أكدوا لنا أن عدد من المستشفيات لم تقبل مرضاهم ولولا وجود معارف لدى الأسرتين في مستشفيات خاصة في عدن فلم استطاعوا ادخالهم لإجراء الإسعافات اللازمة. 

اشتباه بـ كورونا دون أي دلائل

و تختتم لنا رانيا قصة والدتها التي انتهى بها الحال في نهاية المطاف كحالة مشتبهة بأصابتها بكورونا دون اي اثبات مخبري.

” حين ذهبنا لإجراء أشعة مقطعية قالوا بأن رئة امي خالية من اي سوائل إنما مصابة بالتهاب شديد وسجلوا الحالة اشتباه كورونا، لتأتي  متنافية مع فحوصات المناعة التي اجريناها سابقا والتي أثبتت ان مناعة امي في افضل معدلاتها الطبيعية. الى جانب مفعول الإبر والأشعة السينية.

غادرت رانيا وعائلته، وهم في حالة صدمة شديدة من هول التناقض الذي عاشوه. لم يكن باستطاعتهم فعل شيء، كان الأمل يتبدد أمام أعينهم في كل اللحظات المأساوية التي مرت بهم وهم يرون امهم في حالة انهيار صحي دون القدرة على فعل شيء.

كان آخر بصيص أمل أمامهم هو استشارة أحد الأطباء القاطنين في الخارج، و نصحهم باستخدم نوع من أنواع المضادات الحيوية لعلاج الالتهاب الذي شخصت به آخر مرة.

لكن توفت ام رانيا بعد ساعتين فقط من اخذ اول جرعات الدواء، لتنطفئ بعدها كافة امال أبنائها ومحبيها في إمكانية تعافيها.

للعملة وجهان

لم يسقط الظلم على الناس وحدهم، بل كان للأطباء والعاملين في القطاع الصحي نصيبا وافر منه. 

جملة منهم وقفوا عاجزين بين سوء إدارات المستشفيات الفاسدة و تخاذل الحكومة التي لم يشهد لها ان قامت بشيء منذ أن غادرت البلاد..

عملت د. دعاء الأهدل، في بداية الجائحة في مستشفى ٢٢ مايو، الذي لم يوفر هو الآخر أي وسيلة حماية ووقاية للأطباء والعاملين الصحيين فيه. وبرغم من المطالبات الدائمة التي رفعوها، الا ان ادارة المستشفى لم تواجههم إلا بالإذن الصماء.

و كغيرها من الكثير من العاملين في القطاع الصحي آن ذاك، تركت د. الاهدل عملها في المستشفى و التزمت المنزل بعد ان شهد العديد منهم حالات إصابة أو وفاة بسبب الفايروس، حفاظا على صحتهم وصحة أسرهم.

جيش أبيض لأجل الإنسان

وبعد كل ما عايشه المواطن العدني من خيبات أمل متكررة والم فاق مستوى التحمل. و في ظل استمرار الازمة، ظهر عدد من أفراد الجيش الأبيض القاطنين خارج اليمن وداخلها، ليصنعوا الأمل من جديد في قلب كل مواطن، تحت شعار” انا طبيب، انا استطيع”.

فكرة المبادرة اتت بعد العجز الذي شهده القطاع الصحي في بداية الجائحة. لم يستطع هؤلاء الأطباء النظر الى حال المواطنين في عدن دون فعل شيء. 

بدأت المبادرة عبر الاستشارات الطبية التي كان يقدمها أكثر من ٣٠٠ طبيب، عبر جروب على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، تم انشاءه على يد الدكتور وليد البكيلي، ابن عدن المقيم في الهند.

لم تقتصر المجموعة على الاستشارات الطبية التي يقدمها الأطباء لمرضاهم، بل عملوا على تأهيل وتدريب عدد من الأطباء، و تعريفهم  ببروتوكول التعامل مع المرضى، الى جانب العمل على انتاج بروتوكول يمني خاص.

حكت د. الاهدل، التي تعمل الان مدير تنفيذي لمؤسسة انا طبيب أنا أستطيع، تفاصيل إنشاء المستشفى الميداني قائلة: “بعد أشهر، تحولت المبادرة الى مؤسسة. وتم افتتاح أول مستشفى ميداني مجاني لعلاج حمايات و فرز لكوفيد-١٩ في مديرية المعلا. 

ويوم عقب أخيه، عملت المؤسسة بمجهودها الذاتي و بالتعاون مع بعض منظمات المجتمع المدني على تطوير المستشفى الميداني وتوفير باقي الاحتياجات اللازمة.”

ومنذ عام كامل، لا يزال طاقم المؤسسة يعمل بشكل تطوعي في خدمة الإنسان وهذه المدينة التي خذلت في اشد اوقاتها ضعفا..

تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من اجل حقوق الانسان و الشؤون العالمية في كندا

يمكن قراءة الخبر من المصدر تحديث نت من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى