اليمن عاجل

تطلعات وعقبات.. برلين2 يسعى لإخراج المرتزقة من ليبيا

تترقب الأوساط الليبية، انعقاد مؤتمر “برلين 2” اليوم الأربعاء في العاصمة الألمانية، وسط آمال لأن تساهم هذه الفعالية السياسية والدبلوماسية في تأسيس أرضية صلبة تقود إلى تحقيق أهداف مرحلية مهمة، تشمل إجراء الانتخابات وإخراج المرتزقة الأجانب من البلد الذي مزقته الحرب ودمرته التدخلات الخارجية لا سيّما من قِبل تركيا.

“برلين 2” تشارك فيه الحكومة الليبية وذلك بعدما غابت عن المؤتمر الأول الذي عقد في يناير 2020، كما تحضر أيضًا القوى العربية والإقليمية والدولية الرئيسية المعنية بالأزمة الليبية.

ويجمع مؤتمر برلين الثانى ممثلي حكومات مصر، والجزائر، والصين، وروسيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وليبيا، والمغرب، وهولندا، وسويسرا، وتونس، وتركيا، والإمارات، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى والاتحاد الأوروبى وجامعة الدول العربية.

وتُعوِّل ألمانيا على مواجهة تعقيدات تأسيس العملية السياسية في ليبيا بالبناء على مخرجات مؤتمر برلين الأول، وترى برلين أن مؤتمر 2020 ساهم بشكل كبير في خفض وتيرة الاشتباك المسلح، وأكدت أن وقف إطلاق النار المستمر منذ أكتوبر الماضي دليل على ذلك وكذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهي تطورات ناجحة، رأت أنها تعطي للشعب الليبي سببا للأمل.

ويقول مسؤولون ألمان إن هذا المؤتمر يأتي لضخ دعم دولي جديد خلف الحكومة الانتقالية الليبية التي تم تشكيلها، ولإعلان التزام الدول الغربية، ومن بينها الولايات المتحدة التي تشارك بوزير خارجيتها أنطوني بلينكن، بتاريخ إجراء الانتخابات العامة في ديسمبر من العام الجاري.

وتحرص ألمانيا على ألا يكون هناك تركيز في المؤتمر على دور دولة معينة في الصراع الليبي، وتحديدا تركيا، خوفا من أن تفقد برلين حيادها في التوسط في الصراع وفق صحيفة الشرق الأوسط التي أشارت إلى أن ألمانيا ستعتمد مقاربة خطوة خطوة في إخراج المقاتلين الأجانب من ليبيا.

ومن الوارد أن تبدأ برلين باقتراح إخراج «المرتزقة»، الذين قدموا من سوريا للقتال إلى جانب حكومة السراج في طرابلس بدفع من تركيا، لكن الحكومة الألمانية ستصطدم بموقف أنقرة ووضعها الخاص في ليبيا، خاصة أنها تعتبر نفسها ليست قوى محتلة، وبأنها موجودة بشكل شرعي، بناء على طلب حكومة السراج السابقة.

أجواء انعقاد “برلين 2” مختلفة عما الأوضاع السائدة خلال عقد المؤتمر الأول، فالآن الحرب – بمفهوم الاشتباك المسلح – متوقفة تقريبًا منذ أكتوبر الماضي، وأن هناك توافقًا من القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا على ضرورة سحب المرتزقة والمليشيات الأجنبية وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وسيحاول مؤتمر اليوم إحداث حالة من الزخم تؤسس لبنات هذا المسار السياسي الشامل.

واستبقت الحكومة الليبية هذا الحراك السياسي، بإعلانها طرح مبادرة على مؤتمر برلين، تتضمن إنشاء مجموعة عمل دولية تترأسها ليبيا، تنعقد بصورة دورية على مستوى وزراء الخارجية، بهدف دعم وتعزيز الرؤية الليبية لحل الأزمة بما فيها تكريس السيادة الوطنية وتحرير القرار الليبي ودعم ومساندة السلطات الليبية في تنفيذ خططها السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية.

وتستهدف المبادرة، العمل على خلق آليات تنفيذية لوضع برنامج زمني واضح لانسحاب المرتزقة، وتركز على خلق آليات تنفيذية لحل المشاكل الأمنية والاقتصادية، تهدف إلى توحيد الجيش الليبي تحت قيادة واحدة، وتفعيل اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ شروطه.

وصرحت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش، بأن المبادرة التي سيتم طرحها خلال المؤتمر، تتضمن برنامجًا زمنيًّا واضحًا لانسحاب كافة القوات الأجنبية والمرتزقة.

إجراء الانتخابات وإخراج المرتزقة يمثلان البندين الرئيسيين على طاولة المؤتمر، حسبما ورد في بيان صادر عن وزارة الخارجية الألمانية، قال إن “أصحاب المصلحة في ليبيا سيجتمعون على طاولة المفاوضات مرة أخرى لتحقيق هذين الهدفين”.

وفيما من المقرر أن تشارك وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روزمارى ديكارلو، نيابة عن الأمين العام أنطونيو جوتيريش، الذى سيشارك افتراضيا، فقد صرحت المسؤولة الدولية: “سنعمل على الدفع نحو إحراز تقدم فى اتفاق وقف إطلاق النار، واحترام حظر الأسلحة وسحب المرتزقة، وخارطة الطريق السياسية والانتخابات”.

وقبل المؤتمر، نشرت وكالات أنباء بنود مسودة تضم 51 نقطة، قيل إنها سيتم إقرارها خلال الاجتماع، وهي تشمل تقديم الدعم القوى للسلطات الليبية لإجراء الانتخابات فى موعدها، والدعوة للانسحاب الفورى للمرتزقة الأجانب وتطبيق واحترام عقوبات الأمم المتحدة بواسطة إجراءات وطنية ضد من ينتهك حظر الأسلحة أو وقف إطلاق النار.

وتشمل المسودة أيضًا، الاعتراف بالتقدم الذى تحقق منذ مؤتمر برلين الأول وبخاصة توقف الأعمال العدائية، واستمرار وقف إطلاق النار، ورفع الحصار عن إنتاج وتصدير النفط، وتشكيل حكومة مؤقتة، ومنحها الثقة من قبل مجلس النواب.

كما تدعو المسودة أيضًا، إلى دعم ليبيا لحماية حدودها الجنوبية وفرض السيطرة على عبور الجماعات المسلحة والأسلحة عبر الحدود، وأهمية إنشاء قوات أمن ودفاع ليبية موحدة تحت سلطة مدنية موحدة، والتسريع فى تفكيك الجماعات المسلحة والمليشيات ونزع سلاحها، وإدماج بعض الأفراد المؤهلين فى مؤسسات الدولة، وضرورة مكافحة الإرهاب وفقا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى.

وتطالب المسودة كذلك، بوقف أى دعم للجماعات والأفراد المصنفة إرهابية من قبل الأمم المتحدة، ودعوة جميع الجهات الفاعلة لوقف تمويل القدرات العسكرية أو تجنيد المرتزقة، كما تدعو المجلس الرئاسى الليبى وحكومة الوحدة الوطنية إلى اتخاذ مزيد من الخطوات نحو توحيد البلاد، وتحث جميع الجهات الفاعلة على استعادة واحترام وحدة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

وعلى الرغم من أهمية هذه البنود التي وردت في المسودة، إلا أن التعقيدات الحادثة على الأرض لا سيّما في ملف المرتزقة قد تعرقل وضع ليبيا على طريق صحيح بغية تأسيس عملية سياسية شاملة، تبدأ بوقف شامل وغير مشروط للأعمال العدائية، وبناء أطر مصالحة وطنية شاملة.

وقلّ حجم التفاؤل من هذا المؤتمر، بعدما استبقته أنقرة بخطوتين حملتا رسائل واضحة، الأولى زيارة وفد كبير قاده وزير الدفاع خلوصي آكار إلى ليبيا دون إبلاغ أو تنسيق مع السلطات هناك، وهو ما نُظر إليه بأنه انتهاك للسيادة الليبية.

الخطوة التركية الثانية تمثلت في استقدام مستشارين عسكريين دفعت بهم من أذربيجان إلى ليبيا، في حلقة جديدة من سلسلة تحشيد المرتزقة المسلحين إلى هناك والبالغ عددهم نحو 20 ألفًا، وقد حاولت أنقرة من خلال هذه الممارسات توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأن سياساتها في ليبيا ليست بصدد تغييرها.

ورغم التوافق الدولي على ضرورة إخراج المليشيات الأجنبية، فإن هناك اختلافًا حول المفهوم والمقصود بكلمة مرتزق، فتركيا التي تحشد الكثير من هذه العناصر تعتبر وجودها شرعيًّا وأنه بموجب اتفاق موقغ مع حكومة الوفاق السابقة، لكن التواجد التركي المسلح يقابل بالكثير من الانتقادات الدولية التي تحمل أنقرة مسؤولية رئيسية لتأزم الأوضاع في ليبيا.

وإذا ما أراد المجتمع الدولي تأسيس لبنات الاستقرار السياسي، فإنه يتوجب العمل على إخراج كافة المليشيات الأجنبية قبل 24 ديسمبر المقبل، وذلك حتى لا يتم تنظيم الانتخابات سواء الرئاسية أو البرلمانية تحت نفوذ عسكري للمرتزقة المسلحين، وهو ما يشكك في نزاهة العملية الانتخابية بشكل كبير.

وبينما نجح مؤتمر “برلين 1” في وضع الخطوط العريضة للحل من دون أن يتحقق الكثير منها، رغم الجهود التي تبذلها حكومة عبد الحميد دبيبة، إلا أن أهمية مؤتمر برلين 2 تكمن في أنه سيجمع الدول التي شاركت في المؤتمر الأول، وتعهدت بتنفيذ مخرجاته، وهي مطالبة – كما تقول صحيفة الخليج – بوضع آليات تنفيذية لإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتوحيد الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق العملية السلمية والانتقال الديمقراطي والانتخابات القادمة.

وتبقى معضلة مؤتمر برلين اليوم أن الدول التي تعهدت في المؤتمر الأول سحب قواتها من ليبيا لم تف بوعدها، ولذلك فإن المؤتمر أمام خيارات صعبة تقتضي إقناع الدول الأجنبية بسحب قواتها، لا سيّما أن بعضها لا يرى أن قواته أجنبية باعتبار أن وجودها هو بمقتضى اتفاق مع الحكومة السابقة، كما تربط وجود مرتزقتها بوجود مرتزقة آخرين لدول أخرى.

وربما يكون الخيار المتاح أمام المجتمع الدولي هو دعوة الأمم المتحدة لفرض عقوبات على الدول والأشخاص والمجموعات التي تعرقل سحب القوات الأجنبية والمرتزقة وتوحيد القوات المسلحة، علمًا بأن هذا الخيار تحيط به الشكوك لأنه قد يواجه باستخدام “الفيتو” في مجلس الأمن.

المصدر من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى